ابن كثير
282
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
بِمُصَيْطِرٍ [ الغاشية : 21 - 22 ] وقال فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ [ الرعد : 40 ] [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 108 ] وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 108 ) يقول اللّه تعالى ناهيا لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم والمؤمنين عن سبّ آلهة المشركين ، وإن كان فيه مصلحة ، إلا أنه يترتب عليه مفسدة أعظم منها ، وهي مقابلة المشركين بسبّ إله المؤمنين ، وهو اللّه لا إله إلا هو كما قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في هذه الآية : قالوا : يا محمد لتنتهين عن سبك آلهتنا ، أو لنهجون ربك ، فنهاهم اللّه أن يسبوا أوثانهم فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ « 1 » . وقال عبد الرزاق عن معمر ، عن قتادة : كان المسلمون يسبون أصنام الكفار ، فيسب الكفار اللّه عدوا بغير علم ، فأنزل اللّه وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ « 2 » . وروى ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي أنه قال في تفسيره هذه الآية لما حضر أبا طالب الموت : قالت قريش : انطلقوا فلندخل على هذا الرجل ، فلنأمره أن ينهى عنا ابن أخيه ، فإنا نستحي أن نقتله بعد موته ، فتقول العرب : كان يمنعه ، فلما مات قتلوه . فانطلق أبو سفيان ، وأبو جهل ، والنضر بن الحارث ، وأمية وأبي ابنا خلف ، وعقبة بن أبي معيط ، وعمرو بن العاص ، والأسود بن البختري ، وبعثوا رجلا منهم يقال له المطلب ، قالوا : استأذن لنا على أبي طالب ، فأتى أبا طالب فقال : هؤلاء مشيخة قومك ، يريدون الدخول عليك ، فأذن لهم عليه ، فدخلوا عليه ، فقالوا : يا أبا طالب أنت كبيرنا وسيدنا ، وإن محمدا قد آذانا وآذى آلهتنا ، فنحب أن تدعوه فتنهاه عن ذكر آلهتنا ، ولندعه وإلهه ، فدعاه فجاء النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، فقال له أبو طالب : هؤلاء قومك وبنو عمك ، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « ما تريدون ؟ » قالوا : نريد أن تدعنا وآلهتنا ، ولندعك وإلهك ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم « أرأيتم إن أعطيتكم هذا هل أنتم معطي كلمة ، إن تكلمتم بها ملكتم العرب ، ودانت لكم بها العجم ، وأدت لكم الخراج » قال أبو جهل : وأبيك لنعطينكها وعشرة أمثالها قالوا : فما هي ؟ قال قولوا « لا إله إلا اللّه » فأبوا واشمأزوا ، قال أبو طالب : يا ابن أخي قل غيرها ، فإن قومك قد فزعوا منها ، قال « يا عم ما أنا بالذي يقول غيرها ، حتى يأتوا بالشمس فيضعوها في يدي ، ولو أتوا بالشمس فوضعوها في يدي ، ما قلت غيرها » إرادة أن يؤيسهم فغضبوا ، وقالوا : لتكفن عن شتم آلهتنا أو لنشتمنك ونشتمن من يأمرك ، فذلك قوله فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ « 3 » .
--> ( 1 ) تفسير الطبري 5 / 304 . ( 2 ) تفسير الطبري 5 / 305 . ( 3 ) الأثر عن السدي في تفسير الطبري 5 / 304 - 305 .